11 mars 2013

إتّحاد الأساتذة الجامعيّين الباحثين التّونسيّين : نقطة مضيئة في عتمة الجامعة التّونسيّة

نص الدكتورة نجييبة الرقيق

متى يبزغ فجر الجامعة التّونسيّة؟ لا شكّ أنّ هذا السّؤال يدور بخلد كلّ الجامعيّين التّونسيّين ويؤرّق عددا كبيرا منهم. "الإصلاح"، "التّطهير"، "المحاسبة"...: هي ألفاظ يسمعونها ويقرؤونها يوميّا في كلّ وسائل الإعلام وعلى صفحات المواقع الإجتماعيّة. "تطهير سلك القضاء"، "إصلاح الإعلام"، "إصلاح المنظومة الأمنيّة"، "إعادة هيكلة الإدارة"، "إصلاح المنظومة الجبائيّة"، "محاربة الفساد في سلك الدّيوانة"... يبدو أنّ عددا من هذه المطالب – وهي من استحقاقات الثّورة التّونسيّة – قد لا يعدو أن يكون سوى ضجّة إعلاميّة وأنّ منظومة الفساد المتشعّبة والمتغلغلة في كلّ القطاعات تبدو لنا بعد مضيّ أكثر من سنتين من أحداث ديسمبر 2010 وجانفي 2011 وكأنّها مارد جبّار يركب موجة عاتية ويتربّص بقارب النّجاة الصّغير، قارب مكتظّ بالمهمّشين والمعطّلين ومخضّب بدماء شهدائنا الأبرار... بيد أنّ الحديث المتواصل عن الإصلاح في كلّ هذه القطاعات – وإن خطا هذا الإصلاح خطوات متفاوتة من قطاع إلى آخر – أمر إيجابيّ يبعث على الأمل والأمل غالبا ما يشكّل نقطة البداية للعمل الجدّي.

والجامعة؟ بل والتّعليم بأسره؟ يبدو أنّ هذا القطاع لم يستأثر حتّى السّاعة باهتمام المجتمع التّونسيّ والطّبقة السّياسيّة. فهم ما انفكّوا ينغمسون في المشاكل الإقتصاديّة والتّنمويّة والأمنيّة ويتعثّرون في مخلّفات الزّلزال التّاريخي الذي ما فتئت رجّاته الإرتداديّة تعصف بدولتنا وتمزّق قارب الثّورة الأبيّ. ما سرّ هذا الرّكود – بل والتّقهقر – في قطاع التّعليم؟ ألم يعمل الوزراء الذين تعاقبوا على هذا القطاع منذ اندلاع الثّورة على تغيير الوضع الرّاهن؟ ألم تتحرّك نقابات التّعليم – وهي من أعرق النّقابات المنضوية تحت الإتّحاد العامّ التّونسيّ للشّغل – لطرح مشاكل القطاع وإيجاد الحلول الملائمة لإنقاذه؟
ما من تونسيّ ينكر فضل بعض الوزراء الجدد على هذا القطاع فمنهم من اتّخذ إبّان الثّورة قرارات جريئة (أحمد إبراهيم: إلغاء البوليس الجامعيّ، الطّيّب البكّوش: منع ارتداء النّقاب بالمؤسّسات التّربويّة). بيد أنّ البعض الآخر - وخاصّة في وزارة التّعليم العالي – ساهم في تكريس ممارسات العهد النّوفمبري من ذلك إصدار السّيّد رفعت الشّعبوني للمنشور رقم 29 في 11 جوان 2011، ذلك المنشور الذي ، وإن أقرّ ضرورة انتخاب المديرين والمجالس العلميّة في المعاهد العليا، كرّس "الدّيمقراطيّة" المزيّفة في الكلّيّات وذلك برفضه لمبدإ الإنتخاب المباشر المنصوص عليه في تقرير المجلس القطاعي للجامعة العامّة للتّعليم العاليّ والمنعقد في ماي 2011. ولم تكتف نقابتنا العتيدة بهذه الخيانة (المصادقة على هذا المنشور) بل أردفتها بخيانات أكبر وأجلّ مثل توقيعها على إتّفاق 5 أكتوبر 2011 (في ظلّ حكومة مستقيلة) ومن أبرز بنوده الإقصائيّة التّشديد على أنّ الجامعة العامّة ستكون الطّرف النّقابي الوحيد في المفاوضات وفي تشكيل لجان إصلاح الجامعة. ومنذ تشكيل حكومة التّرويكا، عملت نقابتنا هذه على تصعيد وتيرة "نضالها" (التّهديد بإضراب يوم 12 أفريل 2012 ثمّ يوم 26 ماي 2012) من أجل إقصاء طرف نقابيّ جديد وقع تشكيله في أكتوبر 2011.
إجابة (إتّحاد الأساتذة الجامعيّين الباحثين التّونسيّين) هيكل نقابيّ جديد خرج من رحم بوادر الثّورة بالجامعة التّونسيّة. انبثقت فكرة تكوين هذا الهيكل إثر وقفة احتجاجيّة نفّذها عدد من الأساتذة الجامعيّين يوم 30 أوت 2011 رفضا لنتائج الإنتخابات بالجامعة، تلك النّتائج التي كرّست نفوذ التّجمّعيّين والإنتهازيّين في أغلب المؤسّسات الجامعيّة. أغلب هؤلاء المحتجّين كانوا قد قاطعوا تلك الإنتخابات المهزلة تعبيرا منهم عن رفضهم للمنشور البغيض فكان أن أعادت منظومة الفساد إنتاج نفسها وتربّعت على عرش الجامعة. لم يندم هؤلاء الأساتذة على موقفهم المبدئي الرّافض للمشاركة في تلك المسرحيّة المهزلة إذ اكتشفوا، بعد سنوات من الصّراع المرير مع منظومة الفساد، أنّ مشاركتهم لن تنقذ الموقف ولن تحفظ ماء الوجه فهذا المارد (منظومة الفساد) أضحى متمكّنا من جسد الجامعة ومهيمنا على كلّ قواها الحيّة.
لم يكن عدد هؤلاء الزّملاء المحتجين كبيرا يومها ولكنّ ذلك لم يُثنهم عن تأسيس هذا الهيكل النّقابيّ الجديد المستقلّ عن كلّ المركزيّات النّقابيّة و عن كلّ الأحزاب السّياسيّة. فلئن فقدت الجامعة العامّة مصداقيّتها ونجاعتها فذلك يعود إلى انضوائها تحت هيكل نقابيّ – وإن كان عريقا، بل هو الأعرق بالبلاد التّونسيّة – تحكمه التّجاذبات السّياسيّة وتنخر جسده المصالح الحزبيّة. ما من ريب أنّ العديد من نقابيّ المنظمة الشّغيلة ساهموا بصورة فاعلة وحاسمة في اسقاط رأس الدّكتاتوريّة ولكنّ هؤلاء النّقابيون الأحرار عجزوا حتّى الآن عن معالجة الدّاء الذي ينخر منظّمتهم ويهدّد استقلاليّتهم وحرّيّتهم.
يجدر التّذكير في هذا السّياق بأنّ ممارسات بعض النّقابيّين الفاسدين المنتمين إلى الجامعة العامّة للتعليم العالي شكّكت في نجاعة وأهمّيّة العمل النّقابي بالجامعة وكرّست صورة جديدة للنّقابيّين كأشخاص متواطئين مع الإدارة ومع سلطة الإشراف. ولعلّ نتائج انتخابات المجلس التّأسيسي و ما عقبها من تسييس مفرط للجامعة من قبل عدد كبير من النّقابيّين قد عمّقت الأزمة بالمؤسّسات الجامعيّة . فأعضاء المكتب التّنفيذي للجامعة العامّة (وكذلك عدد كبير من منخرطيها)، وأغلبهم يساريّون، أضحوا مقتنعين أنّ الثّورة سرقت وأنّ مستقبل البلاد لا يبشّر بخير فرتّبوا أولويّاتهم ورأوا أنّ الوطنيّة ومصلحة البلاد تقتضيان، قبل التّطرّق إلى الفساد في الجامعة، تضافر جهود كلّ الجامعيّين من أجل دحر "الغول" السّلفي (الإسلامي في نظر بعضهم) الذي يتربّص بأمن بلادنا واستقرارها. ولقد رأينا تعامل الجامعة العامّة والمثقّفين عامّة مع ظاهرة السّلفيّة في البلاد وخبرنا عن قرب تضخيم بعض وسائل الإعلام لتحرّكات بعض السّلفيّين (ولعلّ عددا من هؤلاء لا يعدو أن يكون غير أناس مشبوهين مأجورين متنكّرين بأزياء سلفيّة ومنخرطين في الثّورة المضادّة). ومن ذلك ما حصل في كلّيّتنا (كلّيّة الآداب بسوسة) من تعدّ على حرمة الحرم الجامعيّ في بداية السّنة الدّراسيّة 2011-2012 حيث زحف عدد من الملتحين على الكلّيّة ونظّموا اجتماعا عامّا بإحدى ساحاتها وكان ذلك الإجتماع أشبه ما يكون بخطبة جمعة. وإن أَمّ هذا الإجتماع إمام جامع حيّ الرّياض بسوسة فإنّ أغلب الوجوه الحاضرة – حسب شهادة عدد كبير من الزّملاء- كانت من روّاد حانات نفس الحيّ وبعضها فرّ أو خرج حديثا من بعض سجون المنطقة. وقد برّر هذا الزّحف "السّلفي" رفض عميد الكلّيّة ترسيم طالبة منقّبة. ويجدر بالذّكر أنّ المحكمة الإداريّة أنصفت في آخر السّنة إدارة الكلّيّة ولكن أغلب وسائل الإعلام لم تُول هذا الحدث نفس الأهمّيّة التي أولتها لتفشّي ظاهرة "السّلفيّة" بكلّيّة الفنون والآداب بمنّوبة.
ولسائل أن يسأل: لماذا حدث كلّ هذا في كلّيّات الآداب (القيروان، سوسة، منّوبة) دون غيرها؟ إنّ ما يفسّر ذلك هو التّسييس المفرط لهذه المؤسّسات فعدد كبير من رجال السّياسة (وخاصّة التّجمّعيّون والمعارضون اليساريّون وبعضهم انتهازيّون وحربائيّون) يهيمن على هذه الكلّيّات ويتحكّم في مصير أساتذتها وطلبتها. ولعلّ لبعض هذه الفلول الفاسدة دور في المواجهات التي دارت وتدور بين طلبة الإتّحاد العامّ لطلبة تونس وزملائهم الإسلاميّين.
ولكلّ هذه الأسباب ولغيرها – فالمجال لا يتّسع لذكر كلّ الوقائع الأليمة التي عرفتها وتعرفها الجامعة- ارتأى مؤسّسو إجابة أن يحيدوا بهذا الهيكل النّقابي الجديد عن كلّ التّجاذبات السّياسيّة وقد ضمّنوا القانون الأساسي لنقابتهم بندا يمنع منعا باتّا المسؤولين الحزبيّين والإداريّين من التّرشّح لعضويّة المكتب الوطني والمكاتب المحلّيّة لكلّ المؤسّسات التي توجد بها تمثيليّة نقابيّة (إنابة). وقد عمل مؤسّسو إجابة جاهدا على توسيع رقعة تمثيليّتها التي أضحت تمتدّ على 12 جامعة و 40 مؤسّسة جامعيّة.
انطلق عمل النّقابة في البداية (نوفمبر 2011) بمكتب تنفيذيّ مؤقّت اتّفق أغلب المؤسّسين على اختيار أعضائه وأسفر المؤتمر الأوّل لإجابة (أكتوبر 2012) على انتخاب أغلب أعضاء المكتب الأوّل. وكان المنطلق جامعة سوسة مهد الحركة الإحتجاجيّة الأقوى ضدّ المنشور 29. ويحتوي المكتب التّنفيذي حاليّا، بالإضافة إلى أعضاء من جامعة سوسة، على أعضاء من بنزرت والمنستير وصفاقس وقابس وتونس وقد تمكّن الزّملاء من تركيز عدد هامّ من الإنابات خاصّة في المناطق الدّاخليّة حيث يتضاعف تهميش الأستاذ الجامعيّ وحيث توجد مؤسّسات جامعيّة عديدة تفتقر إلى أدنى مقوّمات التّدريس فضلا عن البحث العلميّ. غير أنّ عدد الإنابات بقي محدودا في تونس وصفاقس حيث تبسط المنظّمة الشّغيلة نفوذها شبه المطلق وتعرقل عمل كلّ هيكل نقابيّ جديد من شأنه – على حدّ قول بعض نقابيّ الإتّحاد "إضعاف المنظّمة العتيدة وطمس تاريخها المجيد". وإن كان واقع المنظّمة التي تحكمها حاليّا التّجاذبات السّياسيّة يختلف كثيرا من منطقة إلى أخرى، فإنّ أعضاء إجابة ومنخرطوها واعون كلّ الوعي بصعوبة المهمّة وإنّهم لواعون أيضا بتعذّر تحقيق مطالبهم الثّوريّة (مشروع إعادة تأسيس الجامعة التّونسيّة
http://fr.scribd.com/doc/111705841/Refonder-Universite-Tunisienne
على المدى القريب وربّما حتّى المتوسّط. ولكنّهم متأكّدون أنّ إصلاح الجامعة التّونسيّة حتميّة تاريخيّة تفرضها الفترة الرّاهنة. ولعلّ ما يحدوهم في إصرارهم وعملهم الدّؤوب من أجل جامعة تكون منبرا للعلم والآداب والفنون هو غيرتهم على مستقبل بناتهم وأبنائهم وطلبتهم الذي يمثّل في نفس الوقت مستقبل وطننا الحبيب.
نعم، كلّنا في إجابة – سواء كنّا من الصّنف "أ" أو "ب"- نعلم أنّه لم يعد لنا مجال زمنيّ واسع لفرض رؤيتنا وطموحاتنا (خاصّة في ميدان البحث العلميّ) في الجامعة التّونسيّة ولعلّ الممارسات الإقصائيّة والعقوبات الجماعيّة التي تمارس علينا حاليّا من زملائنا في الجامعة العامّة ومن وزير يضع مشاكل وزارته في آخر اهتماماته ومن إدارات مؤسّساتنا البنفسجيّة على حدّ سواء لخير دليل على ذلك. ولكنّ ثقتنا في زملائنا وخاصّة في الأجيال القادمة كبيرة. إنّ ما يصنع قوّة إجابة هو نكران أعضائها ومنخرطيها لذواتهم من أجل تغليب مصلحة الجامعة التّونسيّة والمساهمة في رقيّها إلى مصاف الجامعات المتقدّمة. ومن المؤكّد أنّ كلّ العوائق التى تعترض سبيل هذه النّقابة الفتيّة ستزيد من عزم مؤسّسيها ومنخرطيها على رفع سقف التّحديّات.

بقي أن نذكر أنّ كلّ هيكل نقابيّ لا يتسنّى له الدّيمومة والقوّة والقدرة على مواجهة الصّعاب إلاّ بمضاعفة أعداد منخرطيه وتدعيم صفوفه. فلا يمكن خوض نضالات مصيريّة بعدد محدود من الجامعيّين وإن كانت قناعات هذا العدد صلبة وعصيّة على ممارسات العهد البائد.

زملائي، زميلاتي،
آن الأوان أن تتعالى الأصوات الحرّة بالجامعة التّونسيّة ! آن الأوان أن نصرخ في وجه الظّلم والإستبداد وكافّة أنواع الفساد ! آن الأوان أن يدوّي صراخنا فيصمّ آذان المفسدين في جامعاتنا ! آن الأوان أن نعمل على مراجعة أنفسنا فنتصالح معها ونؤسّس لجامعيّ تونسيّ جديد يغير على الجامعة ويخصّص فضاءات أخرى غير أكاديميّة لعمله السّياسيّ الحزبيّ (أ)و الجمعيّاتي ! آن الأوان لوضع أسس جديدة للعمل النّقابيّ بالجامعة، أسس تنبني على الدّيمقراطيّة التّشاركيّة وعلى نبذ المصالح الشخصيّة والعنف من أجل القطع مع كلّ مظاهر الإقصاء واستغلال النّفوذ في مؤسّساتنا الجامعيّة !عاشت جامعتنا حرّة، مستقلّة، أبيّة !!!

راسلونا على ijabasyndicat@yahoo.com

نجيبة الرّقيّق
أستاذة مساعدة بقسم الفرنسيّة
كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بسوسة
عضو بإنابة الكلّيّة

LOGOIJABA

 


Commentaires sur إتّحاد الأساتذة الجامعيّين الباحثين التّونسيّين : نقطة مضيئة في عتمة الجامعة التّونسيّة

    إتّحاد الأساتذة الجامعيّين: بقيادة ألفة يوسف ، لينا بن مهنى، ورجاء بن سلامة ..... فاتكم القطار ....إنحط التعليم باشباه الاساتذة .

    Posté par Med-Malouli, 12 mars 2013 à 21:02 | | Répondre
Nouveau commentaire